حتّى لا تستفيق تونس يوما وقد هجرها مهندسوها…

تحتلّ تونس المرتبة الثانية في تصنيف الدول العربية الطاردة للكفاءات، وتأتي في الترتيب مباشرة بعد سوريا التي تشهد حربا طاحنة تستحيل معها كل أشكال الحياة العاديّة وتدفع ملايين البشر إلى الهجرة أو النزوح. هذا ما صرّح به وزير الشؤون الاجتماعية في كلمة ألقاها خلال ندوة انعقدت بتاريخ 16 جويلية 2017 تحت عنوان “البحث والتجديد: طريقنا نحو التكنولوجيا الحديثة والقطاعات الواعدة، أي دور للكفاءات التونسية بالخارج؟”.

وبغضّ النّظر على دقّة الإحصائيات ووجاهة المعايير المعتمدة التي أفضت لهذا الترتيب، فإن المهتمّون بالشأن الهندسي في ربوعنا لديهم من المعطيات ما يكفي للتأكيد بأنّه بالإضافة إلى المهمّشين والمحرومين على هذه الأرض الطيّبة، الذين في محاولتهم اليائسة للبحث عن آفاق رحبة، يركبون أهوال البحر وينتهي بهم المطاف في كثير من الأحيان في أمعاء الأسماك والحيتان، فإن هناك توجّها عامّا يسود لدى نسبة متنامية من المهندسين، للبحث عن سبل لإيجاد حياة أفضل خارج حدود وطن، يرون أنّه لم يُنصفهم.

الندوة التي تقاطرت عليها ثلّة من خيرة العقول التونسية (أغلبهم مهندسون) قدمت إليها من القارّات الخمس، كانت تحت إشراف رئيس الحكومة المهندس يوسف الشاهد، الذي أفاد في خطاب كان ألقاه بهذه المناسبة، بأنّ حكومة الوحدة الوطنية بصدد بلورة إستراتيجية متكاملة لاستقطاب الكفاءات التونسية بالخارج ووضعها على ذمّة البلاد للمساهمة في جهود التنمية والتطوير والمشاركة في بناء تونس الجديدة وتضع على ذمّة أبنائها كل الإمكانيات للارتقاء بأوضاعها نحو الأفضل.

لا يمكن أن ينكر سوى جاهل أو جاحد وجاهة الفكرة وأهمية الدور الذي يمكن أن تلعبه الكفاءات التونسية بالخارج للنهوض بالوطن، لكن المنطق السليم يقتضي بأن تنكبّ الحكومة أوّلا على إيجاد الحلول الكفيلة بالاحتفاظ بكفاءات الداخل، (الذين كان العديد منهم يقيمون بالخارج وفضّلوا الرجوع لخدمة الوطن) ووضع الإمكانات الكفيلة بتمكينهم من العيش الكريم وتفعيل دورهم للنهوض بالوطن، قبل السعي إلى استقطاب المزيد من الكفاءات في المهجر.

ما تزال الأحداث الجسام التي رافقت الثورة عالقة بأذهاننا، يوم تداعى بنيان الدولة وأنحسر وجودها أو كاد وأقتصر دورها خلال ردح من الزمن على تأمين استمراريّة المرافق والخدمات العامّة تحت حماية الجيش الوطني. لم يكن ذلك ممكنا بدون تفاني عشرات الآلاف من المهندسات والمهندسين العاملين في كل مناحي الحياة، الذين انتصروا لوطنهم وتعفّفوا عن اقتناص فرصة ضعف الدولة لاستدرار ضرعها من أجل تحقيق مكاسب فئوية مثلما فعل الجميع دون استثناء. كان يكفيهم أن يحتجّوا ويعطّلوا العمل حتى يغيّروا وضعيّتهم المتدهورة ومستواهم الاجتماعي المتدني ويفلتوا من تذيّل قائمة الأسلاك والمهن المكافئة، نتيجة عقود من الحيف والتهميش في ظل الاستبداد، تواصلت بعد ذلك ولم تغيّر الثورة منها شيئا يُذكر.

وفي حين لم تأل الدولة جهدا لاستصدار قانون للعفو العامّ على كلّ من أخطأ في حقّها بعد استقرار الأوضاع، فإنها ما زالت تُعرض وتنأى بجانبها عن فتح باب الحوار مع من ساهم بقسط ليس بالهين في ضمان استمرارها، بتعلّة صعوبة الظرف وشحّ الموارد، الشيء الذي لم يمنعها في المدّة الأخيرة من المصادقة على منح زيادات إضافية هامّة لأسلاك تمتّعت بمكاسب خصوصيّة إبّان الثورة.

اليوم يجد المهندسون أنفسهم محشورين بين أمرين أحلاهما مرّ، فإمّا الرضوخ إلى الفكرة القائلة بأن مرتبة الإنسان ومكاسبه في بلادنا ترتبط بمدى الضرر الذي هو قادر أو مستعدّ لإلحاقه وليس بمقدار المنفعة التي يسديها للمجموعة، وبذلك لا يكون نيل المطالب المشروعة إلا بالاحتجاج والتعطيل والإضرار، وهذا المنحى الذي جاهد المهندسون أنفسهم إلى حدّ الآن من أن يسلكوه، لأنه يتنافي مع طبيعتهم وفهمهم لدورهم الطبيعي في الدولة والمجتمع، وإمّا أن يرضى المهندسون بالمرتبة الدونية بالمقارنة مع الأسلاك المشابهة في الداخل ومع المهندسين في دول شقيقة لها نفس المقوّمات الاقتصادية لبلادنا وهذا يتطلب مواصلة العضّ على النواجذ ومزيد تحمّل وضع مهين لم يعد أحد قادرا أو قابلا لتحمّله.

وما لم تحرّك رئاسة الحكومة ساكنا وتفتح باب الحوار مع عمادة المهندسين، سيستمرّ نزيف العقول بل وسيتعاظم، وستكون الأمور مرشّحة لمزيد التأزّم والتصعيد، وسيكون يوم المهندس القادم في موفّى الشهر الحالي، اليوم الذي سيبلغ فيه السيل الزبى.

المهندس شكري عسلوج

 

للنشر

3 thoughts on “حتّى لا تستفيق تونس يوما وقد هجرها مهندسوها…

  1. إذا كان الأمر يقتصر على العض على النواجد فذلك هين ولكن ماذا عن الإهانات التي نتلقاها عند المطالبة بأبسط الحقوق، إهانات أبسطها “برّى شيّط”.

Comments are closed.