من لم يكن مهندساً فلا يدخل منزلنا

إبراهيم عز الدين – “من لم يكن مهندساً فلا يدخل منزلنا” لافتة رفعها أفلاطون على باب منزله كما ذكر ابن خلدون في مقدمته.

إن من اختاره الله ليكون “مهندساً” فقد وقع اختياره ليكون أحد صفوة هذه البشرية، فانظر إذا استطعت للعالم من حولك، فقد يقع بصرك للمرة الأولي على الأبراج الشاهقة أو البنايات المنخفضة الارتفاع ذات الجمال الأنيق التي أبرع فيها المهندسون وابتكروا اشكالها الجمالية في لحظات تجلت الفكرة في مخيلتهم بعد عنائهم أياما طوال ليخرجوا بعمارة كتب لها أن تكون عنوان حضارة الأمم، وقد يقع نظرك مرة تلو الأخرى علي أحد الأحياء السكنية في احدي مدن العالم الكبرى فتدهشك تناسك المباني بارتفاعاتها المتباينة التي تظهر خلف لعضها لتراها جميعا وانت واقف في الفراغ الكبير وسط الحي المؤدي اليها طرق وممرات تتخلل تلك المباني بفراغاتها الخضراء فتعلم أن خلف تلك الشكل المبهر ابداع مجموعة من المهندسين عكفوا علي أن يعمروا تلك الأرض بالجمال، بل انظر أيضا الي تلك الطرقات وما يدب عليها من دابة معدنية بأشكالها وسرعاتها وسعتها المتفاوتة انما هي صنع مهندس وتصوره.

انظر أيضا إلي نفسك ان استطعت، فحذائك الذي تلبسه انما هو نتيجة فكرة وتصور لمهندس مكث على أن يخرجه بذلك الشكل الانيق، وملابسك ذات الطرز الحديثة انما هي نتاج رسم وشخبطة مهندس.

فوسائل التقنية والمعدات الالكترونية التي تستخدمها في حياتك اليومية وتنقلك وتنقل لك العالم من حولك انما هي ابتكار مهندسين عظماء وكل يوم تظهر لك أحدث الوسائل بأشكالها الجديدة وتفاوتها في الأسعار حسب امكانيتها، فاعلم ان ورائها مهندس مبتكر. فإن صاحب الهندسة الذي كرس حياته للفكر والابتكار لهو كنز مستديم يحيا على الأرض وطاقة متجددة، لا يقف عقله يوم من الأيام، لا يحفظ كتابا أو اعراضا ليشخص بها المشكلة فيما بعد، فحياته اليومية عبارة عن مشكلات طارئة لم يوجد لها حل من قبل، فيكون عليه خلال دقائق معدودة النظر ثم التفكير والتحليل ومن ثم الخروج بالحل الصحيح الذي لا يقبل الخطأ.

ذاك هو علم الهندسة وأهله كما يذكر ابن خلدون في مقدمته عن شيوخه “ممارسة علم الهندسة للفكر بمثابة الصابون للثوب الذي يغسل منه الأقذار وينفيه من الأوصار والأردان”.

ويقول “القونجي” في “أبجد العلوم” أن الهندسة هي “العلاج عن الجهل المركب؛ لما أنها علوم يقينية لا مدخل فيها للوهم؛ فيعتاد الذهن على تسخير الوهم، والجهل المركب ليس إلا من غلبة الوهم على العقل” فإن الفكر كالمادة الخام التي لا نفع مرجوا منها الا إذا نقيت من الشوائب ووضع عليها المواد المكملة لتخرج المادة الصناعية صالحة للاستخدام، فإذا دخلت الهندسة على الفكر جعلته نقيا لا مجال فيه للتأويل فيصنع من الوهم والخيال أحلاما تتحول الى رؤي مستقبلية ترتكز على أهداف مرحلية لتصل الي اهداف عامة؛ فتتحقق الرؤية.

إن الأمم تعرف حضارتها بتاريخها القديم وكيف شيد القدماء عنوان عظمتهم ببناياتهم وتفاصيلها التي يقف الانسان الان منبهرا بقوتها ووصولها لآلاف السنين، انها تلك القوة الهندسية المبنية على تصورات ودراسات واعدادات انعدمت فيها نسبة الخطأ. حتى أولئك الذين لا تاريخ لهم وأصروا على ان يشهد العالم عمارتهم بأبراجهم الشاهقة ومواكبة التطور السريع، كان ملجأهم الأول والأخير الى أصحاب الهندسة ليشدوا لهم حاضرهم اليوم وتاريخهم غدا.

واعلم يا صاحب الهندسة أن ذلك العلم المعطي اليك لهو أحد صفات مشيد هذا الكون العظيم الذي تعيش فيه، واختصك من بين عباده لحمل هذه الصفة، فلتفتخر أنك من المختارين من الله شاكرا نعتمه عليك لكونك مهندسا. يقول تعالى: “أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإِلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإِلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ” ويقول سبحانه: “إن في خلق السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآَيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ”.

وكما عرّف لنا أساتذتنا أن الهندسة هي “جلب السعادة للبشر بأقل التكاليف” فإنك لا تدري كم هي سعادة المهندس بعد رؤية تصميمه يسعد من استخدمه، فإنهم أناس كرسوا حياتهم لإسعادك وأسرتك.

وفي فضل الهندسة يقول ابن خلدون: “واعلم أن الهندسة تفيد صاحبها إضاءة في عقله، واستقامة في فكره؛ لأن براهينها كلها بَيِّنَة الانتظام، جليّة الترتيب، لا يكاد الغلط يدخل أقيستها؛ لترتيبها وانتظامها؛ فيبعد الفكر بممارستها على الخطأ، وينشأ لصاحبها عقل على ذلك المهْيَع”. فإن كنت تحيا بين ربوع ذلك العالم، فأنت مدين بالفضل إلى الهندسة وأهلها.

للنشر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *