من حلم التخرج الى فاجعة قارب الموت بقرقنة هي قصة مهندس

قصة المهندس التونسي الذي توفي في حادثة قارب الموت بقرقنة، وهذه آخر صورة نشرها
كشف الصحفي سعيد الزواري في تدوينة نشرها على صفحته الخاصة بموقع الفايسبوك عن قصة الشاب محمد عبشة الذي وافاه أجله المحتوم في فاجعة مركب قرقنة.

وتحدث سعيد الزواري عن هذا الشاب التونسي المتخرج في الهندسة وكيف نجا بأعجوبة من حادثة 7 مارس 2016 عندما هاجمت عناصر ارهابية مدينة بن قردان، ثم مشاركته في مناظرة لانتداب مهندسين لوكالة الفحص الفني وكيف تم شطب اسمه رغم ورود اسمه على قائمة الناجحين.

ويبدو أن اليأس استبد بالمرحوم محمد عبشة الذي جازف بحياته محاولا العبور الى أوروبا في المركب المنكوب أو في ما عُرف بحادثة 8 أكتوبر التي راح ضحيتها أكثر من 45 شاب تونسي بعد اصطدام المركب الذي كان يقلهم بخافرة عسكرية.

وروى الصحفي سعيد الزواري ما يلي:
“هذه الصورة لمحمد عبشة، شاب تونسي بأخلاق جنوبية اصيلة، طموح في وطن طالما قتل في شبابه الامل، اكمل دراسته منذ مدة وتخرج مهندسا في الفحص الفني. اتجه إلى العمل حتى لا يبقى عالة على اهله، في انتظار أن تنصفه عداله الثورة واعوانها أوالدولة واعوانها في عمل لائق يتماشى وما طمح إليه، تجارة وحرفا -يعني- بما يمكن أن يتوفر في مدينة حدودية منسية على أقاصي الجنوب الشرقي.

في 7 مارس 2016، ومع انطلاق هجوم داعش على بنقردان كان قد خرج فجرا في حيه مع أبناء جيرانه لفهم الأمر فيكتشف أن دورية أمنية لعناصر داعش تحيط بهم في مفترق ‘عبشة’ ( المكان الذي استشهد فيه عون الديوانة المنصوري رحمه الله) على رأسها زعيم الارهابيين مفتاح مانيطة. عندما تقابلنا مساء ذلك اليوم حيث يعمل في النزل الذي أقمت فيه، كان لا يزال تحت تأثير الصدمة ولم يعرف كيف تركوه حيا، غير ان ساعته لم تحن بعد. ساعدني كثيرا في العمل طيلة ثمانية عشر يوما قضيتها في بنقردان.

مر الزمن وزارنا رئيس وعاد بناقة، وتهاطل على المدينة كل الوزراء وروساء الحكومة المتلاحقين، كل يعد وكل يحلف، وكل يخلف. بقيت الابواب موصدة أمام محمد رغم اجتيازه لعديد المناظرات، وظل صابرا على كيد الزمان وظلم البشر.

آخر مناظرة كانت لانتداب مهندسين لوكالة الفحص الفني التي افتتحت في المدينة، قدم محمد مطلبه واجتاز كل المراحل بنجاح حتى أن اسمه قد وضع على قائمة الناجحين، لكن يد الليل الغادرة مسحته ووضعت اسما آخر، وانقطع الامل من جديد.

ترك بعدها عمله في النزل واعلم أصدقاءه ان اليأس قد قتله، وقرر الخروج نهائيا. لم يكن شخصا مزعجا ولم نتواصل كثيرا بعدها، حتى علمت اليوم أنه قد ووري الثرى في جنازة أليمة في مقبرة بنقردان بعد أن لفظه البحر جثة بلا روح حيث غرق مؤخرا في حادثة المركب الذي صدم أو اصطدم بخافرة الجيش في جهة صفاقس.

نجا من الدواعش عندما كان بين يدي اميرهم، لكن فقد روحه غرقا عندما هرب من يأس كاتم على أنفاسه. هنا لاتتعجب مثلي، فللقدر أحكامه، وقدرنا أن ابتلينا بمثل من يحكموننا. اللهمّ اجعل قبره روضةً من رياض الجنّة، ولا تجعله حفرةً من حفر النّار. اللهمّ افسح له في قبره مدّ بصره.

اللهمّ أعذه من عذاب القبر، اللهم ارزق أهله وذويه الصبر والسلوان والاحتساب والأجر في مصابهم الجلل، وارحم رفاقه الذين قضوا معه وصبِّرْ أهليهم يا رحيم. ( المرحوم ليس إلا نموذجا لمئات الشباب في المدينة وفي الوطن، ان كنا نريد الحفاظ على ما بقي منهم)”.

للنشر