رضا الشكندالي: الكرونا في تونس، وكيفية الاستفادة منها اقتصاديا وماليا

اتسعت وتيرة تفشي وباء الكورونا في العالم واتسعت رقعته الجغرافية حيث سجلت عديد الدول إصابات جديدة . ومنذ اندلاع الوباء في أواخر السنة الماضية في الصين، أصيب ما يقارب 176 ألف شخص في العالم حسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية بتاريخ 16 مارس 2020. وقد توفي منهم  حوالي 7 آلاف مصاب أي بنسبة وفيّات تعادل 4%. وقد شمل الوباء أكثر من 145 دولة في العالم لكنه تفشى بصورة لافتة في آسيا ب92 آلف حالة منها 80 ألف حالة في الصين لوحدها، تليها أوروبا ب61 ألف حالة خاصة في إيطاليا (28 ألف حالة)، اسبانيا (9 آلاف حالة)  وفرنسا (5 آلاف حالة) ثم الشرق الأوسط ب16 ألف و500 حالة خاصة في  إيران (15 ألف حالة) و أمريكا وكندا بحوالي 4 آلاف حالة ولم يشمل الفيروس في أفريقيا إلا 374 حالة فقط. ومن حيث نسبة الوفيات، تحتل إيطاليا المرتبة الأولى ب 7.7% تليها إيران ب5.7% ثم الصين ب4% بينما لا تمثل هذه النسبة إلا 1% في بلدان أمريكا اللاتينية والكراييب.
وفي بداية تفشي الفيروس، منذ حلول هذه السنة، تسبب هذا الوباء في تراجع كبير في النشاط الاقتصادي على الأراضي الصينية وفرض قيودا واسعة النطاق على نقل الركاب وخاصة العمال وهو ما أضعف إنتاجيتهم وإسهامهم في الدورة الإنتاجية في الصين. وانعكس إثر ذلك على سلاسل القيمة العالمية وشلّ حركتها وهو ما أدى الى اضطراب كبير للمبادلات التجارية العالمية وشلّ حركتها وتسبّب في تراجع النمو في عديد الدول في العالم. أمّا فيما يخص المواد الأولية، ومن بينها النفط، فإن تراجع النمو في العالم، أدى الى تراجع الطلب العالمي من المواد الأولية وبخاصة منها في  النفط وتسبب في تهاوي أسعاره العالمية الى مستويات دنيا لم نرها منذ سنوات طويلة.
أمّا في تونس، فقد بدأ فيروس الكورونا في التفشي في تونس منذ 01 مارس بحالة واحدة تم الإعلان عنها من طرف وزارة الصحة التونسية والى يوم 16 مارس 2020 أعلن السيد رئيس الحكومة في خطابه للشعب التونسي عن 24 حالة وهذا يعني أن سرعة تفشي الفيروس القاتل في تونس هو في حدود 22% يوميا ممّا قد يزيد في حالات العدوى الى حوالي 400 في آخر شهر مارس والى أكثر من 7 آلاف حالة مع نهاية شهر أفريل من هذه السنة ممّا يستوجب توجيه كل الجهود الوطنية لمكافحة هذا الوباء نظرا لانعكاساته الصحية الخطرة على عموم الشعب التونسي وخاصة من المسنّين والمرضى بأمراض مزمنة. ولا يشمل هذا الوباء فقط الجانب الصحي، بل قد ينعكس سلبا على المحيط الاقتصادي والمالي ويتسبب في خسائر مباشرة لأهم الأنشطة الخدماتية والمرتبطة بتنقل الأشخاص، كالسياحة والنقل والأنشطة المرتبطة بها، وقد قد يضرّ هذا الوباء كذلك ببعض القطاعات المرتبطة بالأسواق العالمية كالنسيج والملابس والجلد والصناعات الميكانيكية والكهربائية، لكنه قد يمثل فرصة لتونس يمكن أن تستغلها للاستفادة من التراجع الكبير لأسعار النفط في الأسواق العالمية وفرصة كذلك لاسترجاع الأقساط المتبقية من القرض الائتماني من صندوق النقد الدولي.

النمو الاقتصادي في العالم أكبر متضرر من وباء الكورونا

بالرغم من الاحتياطات التي اتخذتها الصين من تضييقات على تنقلات الأشخاص حال دون الاشتغال الكلي للمعامل الصينية وتسبب في تراجع أهم الأنشطة الخدماتية، فقد انتقل الفيروس في بادئ الأمر الى كوريا ثم الى إيطاليا وهو ما أجبر  الصين على غلق حدودها بالكامل. ونظرا لأهمية الصين، القوة الأكثر اندماجا في سلاسل الإنتاج في العالم، فقد أدى هذا الإجراء الى تراجع النمو الاقتصادي في عديد الدول المتقدمة، إذ تمثل الصين القوة الضاربة في العالم. فالصين تنتج أكثر من خمس الإنتاج الصناعي في العالم (22%) و17% من الإنتاج الجملي العالمي و11% من المبادلات التجارية في العالم و7% من الاستثمار الأجنبي المباشر في العالم. كما تحتل الصين المراتب الأولى في العالم في الطلب العالمي لأهم المواد الأولية، الألمنيوم   (58%)، النحاس (53%)، الزنك (48%) والبترول (14%). وقد كان لخيار الصين، العزلة عن العالم للتوقي من الفيروس، الأثر السلبي على الطلب العالمي للسلع والخدمات وهو ما أدى الى اضطراب مباشر لسلاسل التوريد العالمية والى تراجع تدفقات سياحة الأعمال.  وقد أدى هذا التراجع في الطلب العالمي للمواد الأولية الى انخفاض حاد في أسعارها وخاصة منها الأسعار العالمية للنفط.

ونظرا الدور الهام الذي تلعبه الصين في سلاسل التوريد العالمية كمنتج للسلع الوسيطة، لاسيما في مجال تكنولوجيا المعلومات والإلكترونيات والصناعة والمعدات الصيدلانية والنقل وكطرف مهم في الطلب العالمي للمواد الأولية، فإن قيود السفر المتبعة في الصين وإلغاء العديد من الرحلات وبعض الأنشطة الاقتصادية كان لها الأثر السيئ على النمو الاقتصادي في الصين. فحسب تقرير منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية، فإن النمو الاقتصادي في الصين، سيتراجع ب0.8 نقطة وسيكون أقل بقليل من 5 ٪ لهذا العام، لكنه سيرتفع في سنة 2021 الى 6.5% إذا نجحت الصين في القضاء على هذا الوباء. وستتأثر الدول المرتبطة ارتباطًا وثيقًا بالصين، كاليابان وكوريا وأستراليا وإندونيسيا بتراجع النمو في الصين. أمّا في الدول الأقل ارتباطا بالصين،كالولايات المتحدة الأمريكية المتحدة وكندا، فإن تراجع النمو سيكون محدودا بالرغم من تعطل سلاسل التوريد وتراجع الطلب الخارجي. وبالنسبة الى منطقة اليورو، فسيكون معدل النمو الاقتصادي دون المستوى الطبيعي وحوالي 1٪ سنويًا خلال الفترة 2020-2021.

فحسب منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية ، لو ينجح العالم في القضاء تدريجيا على الكورونا خلال عام 2020، فإن النمو العالمي سيتراجع بنصف نقطة فقط. ولكن إذا لم يكن الأمر كذلك، فسيكون النمو العالمي إلى حد كبير أضعف. وفي الحالة الأولى، سيتراجع النمو الاقتصادي في العالم بنصف نقطة وفي أوروبا ب0.3 نقطة. وفي البلدان الأوروبية الثلاث، التي تمثل الشريك الأساسي لتونس، وهي ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، فإن توقعات منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية تشير الى تراجع النمو في هذه البلدان ب0.1 و 0.3 و0.4 نقطة تباعا.

وللحد من الآثار السلبية للفيروس، ينصح التقرير البلدان الموبوئة بتخصيص دعم إضافي للميزانيات المخصصة للخدمات الصحية، بما في ذلك الموارد الكافية لضمان العدد المناسب من الموظفين وأدوات الاختبار. كما يوصي أيضا باتخاذ التدابير اللّازمة للتخفيف من الأثر السلبي على الفئات الاجتماعية الضعيفة، إذ يمكن استخدام برامج إعانات البطالة الجزئية لزيادة المرونة في ساعات العمل والحفاظ على الوظائف والأرباح. ويمكن لحكومات البلدان التي تفشى فيها الوباء الدعم المباشر للأسر من خلال توفير المساعدة لها، مثل التحويلات النقدية أو التأمين ضد البطالة أو الالتزام بتغطية التكاليف الصحية. وينصح التقرير على المدى القصير بضخ سيولة كافية في النظام المالي حتى تتمكن البنوك من مساعدة الشركات وخاصة منها الشركات الصغيرة ومتوسطة الحجم والتي تعاني من مشكلات في السيولة النقدية قصد مساعدتها على الاستمرار في تشغيل عمالها وذلك بالسماح لها بتأجيل دفع الضرائب المستوجبة عليها أو سداد القروض التي تحصلوا عليها من البنوك. وينصح التقرير كذلك باتخاذ التدابير المالية لمساعدة وكالات الأسفار وشركات النقل الجوي والبحري والنزل المتضررة من الأزمة .

الشركاء الأساسيون لتونس، الصين وأوروبا، هم من أكبر بؤر الوباء في العالم

بعد حالات الوفيات المتعددة في أوروبا من جراء تفشي وباء الكورونا، أعلنت منظمة الصحة العالمية في أواسط شهر مارس، أن أوروبا باتت البؤرة الجديدة لوباء كوفيد 19 العالمي، مشيرة الى أن عدد الحالات التي تسجل فيها يوميا يفوق عدد الحالات اليومية التي سجلتها الصين خلال ذروة انتشار الوباء. وقد اتخذت الحكومات الأوروبية جملة من التدابير الوقائية لعل من أهمها تعليق جميع الرحلات الجوية مع الخارج. وأعلن الرئيس الفرنسي في خطابه ظهر يوم 16 مارس عن إغلاق الحدود مع أوروبا لمدة 30 يوما والحد بشكل كبير من تحركات المواطنين وذلك لمدة 15 يوما على الأقل، مشددا على أنه سيعاقب كل من يخل بقرار منع التنقل. كما أعلنت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل حظر رحلات العطلات الخارجية والداخلية للألمان وغلق معظم المتاجر التي لا تبيع المواد الغذائية وكذلك المؤسسات الثقافية والترفيهية.

وتعتبر البلدان التي شملها وباء الكورونا المزودين الأساسيين للاقتصاد التونسي والحرفاء التقليديين له، إذ تصدر تونس الى الإتحاد الأوروبي 73.4% من جملة صادراتها في سنة 2018 بالخصوص الى فرنسا (29.3%) وإيطاليا (15.9%) وألمانيا (12%) واسبانيا (5%) لكنها لا تصدر الى الصين شيئا يذكر (0.7%) وهو ما يفسر العجز الكبير التي تسجّله تونس معها. بينما ورّدت تونس من الإتحاد الأوروبي نصف احتياجاتها من السلع (53,3%) لسنة 2018 منها 15.7% من إيطاليا و 14,3% من فرنسا و7.6% من ألمانيا. كما ورّدت تونس من الصين ما يقارب 9.5% من حاجياتها من السلع لسنة 2018. وتمثل الصين وإيطاليا لوحدهما حوالي نصف العجز التجاري لتونس سنة 2018 ب5.4 مليار دينار للصين و2.9 مليار دينار لإيطاليا على مجموع  19 مليار دينار سجّلت عام 2018.

وفي الشهرين الأولين (جانفي وفيفري)  لهذه السنة، تراجعت الصادرات ب1.5% والواردات ب2.5% مقارنة بنفس الفترة لسنة 2019. ولعل التراجع الأهم في الصادرات التونسية شمل بالخصوص فرنسا (-18.2%) وألمانيا (-4.9%) بينما سجلت الصادرات التونسية تطورا ملحوظا نحو اسبانيا (37.9%) وإيطاليا (3.4%). وقد شمل هذا التراجع للصادرات التونسية بالأساس قطاع الطاقة ب-26.1% وقطاع النسيج والملابس والجلد ب-4.1%، بينما تحسنت صادرات المواد الفلاحية والغذائية بنسبة 16.1% نتيجة للارتفاع المسجل في زيت الزيتون وبقيت صادرات قطاع الصناعات الميكانيكية والكهربائية على حالها (0.6%). وقد تراجعت كذلك الواردات من فرنسا ب12.2% ومن إيطاليا ب15.1% خلال نفس الفترة من العام الحالي  خاصة في مواد التجهيز (-11.5%) والمواد الأولية ونصف المصنعة (-6.3%) بينما سجلت واردات الطاقة ارتفاعا ب20.3%.

النمو الاقصادي في تونس قد يتراجع،  إن لم تحسن الحكومة إدارة الأزمة

وتعكس هذه الأرقام المسجلة خلال السنوات الماضية وخاصة خلال الشهرين الأول والثاني من هذه السنة، حساسية الاقتصاد التونسي وارتباطه مع البلدان المذكورة. ولعل الانعكاس الأهم على النمو الاقتصادي في تونس يمر عبر تراجع النمو الاقتصادي لهذه البلدان التي تفشى فيها الوباء. فتعطل النشاط الاقتصادي في الصين وفي فرنسا وفي إيطاليا وكذلك في ألمانيا أثر على احتياجات تونس من مواد التجهيز والمواد نصف المصنعة الضرورية للإنتاج في حين لم تتراجع الصادرات التونسية نحو إيطاليا وكذلك نحو اسبانيا خلال الشهرين الأولين لهذه السنة بل واصلت نسقها التصاعدي.

ويتأثر النمو الاقتصادي في تونس بتعطل محركاته الاقتصادية الثلاث بعد أزمة الكورونا. فتراجع الطلب العالمي على المنتجات التونسية وعلى خدمات السياحة من جراء تراجع النمو خاصة في أوروبا قد يؤثر سلبا، لا فقط على قطاع النزل، بل حتى على الأنشطة المرتبطة به كالنقل والمطاعم ووكالات الأسفار وغيرها. لكن اشتداد الأزمة في إيطاليا، المورّد الأول لتونس من المواد الفلاحية وخاصة زيت الزيتون، قد يدفعها الى مزيد التزود من هذه المواد وبالتالي زيادة صادرات تونس منها. كما سيتأثر النمو الاقتصادي في تونس من تراجع إنتاجية العمل بعد صعوبة التنقل الى العمل خوفا من العدوى وكذلك من صعوبة التزوّد بالتجهيزات والمواد الأولية ونصف المصنعة الضرورية للإنتاج وهي في غالبها مستوردة من المناطق الموبوئة. ومن القطاعات الأخرى التي قد تتضرر من جرّاء تراجع الطلب العالمي، الصناعات التصديرية وخاصة منها قطاع النسيج والملابس والجلد وقطاع مكونات السيارات وكذلك قطاع الصناعات الميكانيكية والكهربائية وهي قطاعات تصديرية مهمة. وقد تمثل كل هذه العوامل المرتبطة بتفشي الوباء محيطا غير آمن للاستثمار ممّا قد يدفع المستثمرين في الداخل والخارج التريث والانتظار حتى تنقشع سحابة الخوف من هذا الوباء، وهو ما قد يؤثر سلبا على النمو الاقتصادي في تونس في قادم الأشهر. ومن الآثار السلبية الأخرى التي قد يخلّفها هذا الوباء في تونس، تراجع الموارد الجبائية من جرّاء تراجع النمو الاقتصادي مع صعوبة تعبئة الموارد الخارجية المتوجهة أساسا الى تمويل أزمة الكورونا في الدول المتقدمة الموبوئة وتحوّل الأزمة الاقتصادية العالمية الى أزمة مالية بعد الإنهيار الكبير للأسواق المالية في العالم ممّا قد يجعل من تنفيذ موازنة الدولة لهذا العام أمرا صعبا.

ويبقى الاستهلاك الخاص، كعادته، المنقذ الوحيد للنمو الاقتصادي في تونس، فهو وإن سيتراجع في بعض الأنشطة الخدماتية كالمطاعم والنقل العمومي والأنشطة الترفيهية، فهو سيتزايد في المواد الأخرى تحسبا لاشتداد أزمة الكورونا.

لكن الانهيار الملحوظ في الأسعار العالمية للنفط قد تمثّل فرصة ثمينة لتونس

تفيد كل المؤشرات أن السعر العالمي للنفط مرشّح أكثر من أي وقت مضى الى الانخفاض الحاد، إذ إن الزيادة المهمة في الإنتاج وما رافقها من تراجع في الطلب بسبب تفشي فيروس كورونا سيؤديان لتزايد المنافسة بين المنتجين وخاصة منهم المملكة العربية السعودية وروسيا ويدفعان الى مزيد التراجع في الأسعار العالمية للنفط. وإن كانت هذه المتغيرات لا تخدم مصلحة الدول المصدرة للنفط، فهي مفيدة للدول المورّدة ومنها تونس حيث تمثل الطاقة العائق الأكبر لإحلال التوازنات الداخلية والخارجية. فالدعم المتوجّه للمحروقات، وهو في حدود 1.9 مليار دينار في سنة 2020، يعتبر من الأبواب الثقيلة على ميزانية الدولة لهذا العام. كما أن العجز الطاقي، والذي يمثّل لوحده حوالي 40% من العجز التجاري، يدفع البلاد الى مزيد إهدار العملة الصعبة والحيلولة دون تحسّن قيمة الدينار التونسي ممّا سيهم في معدلات من التضخم المالي لا تتماشى والمقدرة الشرائية للمواطن التونسي.

ونظرا لفرضية ميزانية الدولة للسعر العالمي للنفط ب65 دولار للبرميل الواحد على طوال العام، وهو في حدود 35 دولار أو حتى أقل حاليا، يمكن اعتبار الأزمة الحالية التي تشهدها أسواق النفط العالمية فرصة لتونس للاستفادة منها عبر إبرام عقود آجلة خاصة مع الشقيقة الجزائر والاستفادة من القدرة المخزونية لها. واعتمادا على الصفحة 27 من ميزانية الدولة لسنة 2020 والتي تقدر ربحا ماليا ب 142 دولار لكل تراجع بدولار واحد في الأسعار العالمية للنفط، فإن تفعيل الدبلوماسية الاقتصادية مع الجزائر حول هذه المسألة قد يوفر لتونس مبلغا ماليا هاما يقدر ب 4.2 مليار دينار، وهو تقريبا نفس مبلغ الدعم كاملا والمبرمج في ميزانية الدولة لهذه السنة. ويمكن للحكومة التونسية استعمال هذا المبلغ الهام لمآزرة المؤسسات والمهن الصغرى والمتوسطة والمتضررة من أزمة الكورونا.

ومن ناحية أخرى، فإن تراجع الأسعار العالمية للنفط الى مستويات دنيا وحسن التصرف من طرف الحكومة التونسية لإبرام عقود آجلة يوفّر فرصة قد لا تتكرر للتفاوض مع صندوق النقد الدولي حول تسريح الأقساط المعلّقة (السادس والسابع) وهي في حدود 1.2 مليار دولار أي ما يعادل 3.4 مليار دينار وهو ما يمثّل حوالي 40% من احتياجات تونس من الاقتراض الخارجي لتمويل ميزانية الدولة لسنة 2020.

الإجراءات التي اتخذتها الحكومة، هل تكفي لتطويق الأزمة ؟

خلال اجتماعه برؤساء الكتل النيابية بتاريخ 16 مارس 2020،كان البرلمان التونسي سبّاقا في اقتراح جملة من الإجراءات الهامة، فعلى الصعيد البرلماني، كوّن البرلمان خلية أزمة لمتابعة الوضع الصحي وأوصى بتفعيل الدبلوماسية البرلمانية لحشد الدعم للمجهود الوطني للتوقي من الفيروس. وأوصى كذلك بإعلان حالة الطوارئ الصحية ورصد خط تمويل إضافي لوزارة الصحة. كما دعى الحكومة الى اتخاذ إجراءات حازمة تتعلق بمقاومة الاحتكار وتطبيق معايير الصحة والنظافة في المساحات الكبرى وفي المتاجر وغيرها من الاجراءات الهامة. وفي اليوم نفسه، وأخذا بعين الإعتبار توصيات البرلمان التونسي، أعلن السيد رئيس الحكومة التونسي عن جملة من الإجراءات الجديدة لمكافحة تفشي فيروس الكورونا لعل من أهمها غلق الحدود الجوية والبرية لكل الرحلات التجارية ما عدى السلع والبضائع ورحلات الإجلاء ومنع التجمعات في الأسواق وفي الحمامات والحفلات وغيرها من فضاءات التجمهر. كما أعلن عن العمل بنظام الحصة الواحدة طيلة خمس ساعات بزمنين مختلفين وعن تأجيل كل التظاهرات والأنشطة الرياضية والبطولات.

وفي خطابه للشعب التونسي بتاريخ 17 مارس 2020، أعلن رئيس الجمهورية حضر التجوال من الساعة السادسة مساءا الى الساعة السادسة صباحا ودعا الحكومة الى مساعدة الشركات المتضررة من الأزمة الى إعادة جدولة ديونها.
كما أعلن البنك المركزي، بتاريخ 18 مارس 2020، عن إجراءات جديدة تتعلّق أساسا بتأجيل سداد أقساط القروض للشركات الصغرى والمتوسطة وكذلك للأشخاص الطبيعيين.

وتعتبر الإجراءات المتعلقة بالجانب الصحي الوقائي جيّدة في العموم ومهمة لتطويق الأزمة وتفادي انتشار الفيروس بالصورة التي وقعت في إيطاليا أو إسبانيا عندما لم تتخذ السلطات في هذه البلدان الإجراءات الوقائية اللازمة في الوقت المناسب. لكن تبقى جدوى هذه الإجراءات مرتبطة بمدى التزام الشعب التونسي بها وخاصة فيما يتعلق بالحجر الذاتي وإلا فإن السلطات التونسية مطالبة بتطبيقها بقوة القانون حتى لا تخرج الأزمة الصحية عن السيطرة. ونظرا لحجم التحديات الصحية والاقتصادية، فالدولة مطالبة قبل غيرها برفع شعار الوحدة الوطنية وذلك بالتعاون والتضامن بين الرؤساء الثلاث، رئيس البرلمان ورئيس الجمهورية ورئيس الحكومة كل حسب صلاحياته الدستورية.

وإن كانت جملة الإجراءات التي اتخذتها الدولة هذه الأيام مفيدة لكنها غير كافية لتطويق الأزمة، فالدولة مطالبة كذلك بدعوة الأطباء المتقاعدين لمعاضدة زملائهم المباشرين قصد التسريع في تطويق الأزمة قبل انتشارها مع تعويض الأطباء المباشرين الذين يشتكون من أمراض مزمنة ودعوة المصحات الخاصة لتوفير الإمكانيات الطبية واللوجستية اللازمة في صورة تفشي الوباء.

وعلاوة على الإجراءات الصحية الصرفة، ونظرا للإنعكاس الاقتصادي والمالي للأزمة الصحية على ميزانية الدولة أولا ثم على مختلف القطاعات الاقتصادية وعلى الشرائح الاجتماعية الهشة ثانيا، فإنه من المفيد البدأ فورا في التفاوض مع صندوق النقد الدولي قصد تسريح الاقساط المتبقية من القرض الإئتماني بدون شرط الترفيع في أسعار المحروقات، وهو شرط لم يعد أساسيا بالنسبة للصندوق بعد الانخفاض الملحوظ في الأسعار العالمية للنفط. كما أن الدخول في مفاوضات مباشرة مع الشقيقة الجزائر قصد إبرام عقود آجلة لشراء كميات هائلة من النفط والغاز أصبح من أوكد الإجراءات التي يجب التسريع فيها. وتبقى السياسات الجبائية والنقدية المناسبة الحل الأمثل لتنشيط محركات النمو التي تعطلت في الثلاث سنوا ت الأخيرة من جرّاء السياسات الاقتصادية العقيمة التي اتبعتها الحكومة المتخلية من زيادات متكررة في نسبة الفائدة وفي الضرائب وكذلك في فاتورة المحروقات أرهقت بها كلفة المؤسسات الاقتصادية والأفراد.

فلا بد للحكومة التونسية أن تعمل جاهدة على الحفاظ على معدل النمو المقدّر في ميزانية الدولة، وهو 2.7% بالرغم من تراجع النمو في البلدان الشريكة، وذلك باستنباط السياسات الاقتصادية البديلة التي تمكّن من استرجاع محركي الاستثمار والاستهلاك الخاص بعد التراجع المنتظر في محرك التصدير على إثر تراجع الطلب العالمي خاصة في أوروبا. وبالرغم من تصاعد المخاطر المحدقة بعملية الاستثمار من تراجع في إنتاجية العمل ومن انكماش في الطلب الخارجي، إلا أن التقليص في كلفته عبر السياسة الجبائية أو النقدية يمكّن من المحافظة على نسق يساعد على تجاوز الأزمة الحالية. وفي هذا الإطار، بادر البنك المركزي التونسي يوم 17 مارس 2020 بالتخفيض ب100 نقطة في نسبة الفائدة المديرية وبتأجيل سداد القروض البنكية. لكن تبقى هذه الإجراءات محدودة الفاعلية ولا بد للبنك المركزي أن يعطي مزيدا من الدفع للاستثمار الخاص وذلك بمواصلة التخفيض في نسبة الفائدة المديرية على الأقل ب100 نقطة إضافية. ونظرا للأرباح الخيالية التي حققتها البنوك التجارية على إثر الزيادات المتكررة لنسبة الفائدة المديرية وثقل مبلغ الفائدة على الاقتراض الداخلي للدولة وهو في حدود 1.9 مليار دينار في موازنة الدولة لسنة 2020، على البنك المركزي أن يطالب البنوك بتطبيق نسبة الفائدة الجديدة، بتخفيضها بمائتي نقطة، كذلك على سندات الدولة حتى تتمكن هذه الأخيرة من تنفيذ النفقات الضرورية لإدارة الأزمة الصحية.

وعلى الدولة كذلك حسن إدارة الأزمة وذلك بتخصيص مبلغ النفقات الطارئة في ميزانية الدولة لسنة 2020، وهي في حدود 380 مليون دينار لدعم جهود وزارة الصحة أولا ولإرجاع فائض الضرائب المدفوعة الى المؤسسات الاقتصادية المتضررة من الأزمة ثانيا. ولتشجيع المؤسسات الاقتصادية المتضررة من الأزمة على دفع أجور موظفيها وعمالها بالرغم من إحالتهم على البطالة الإجبارية، فالدولة مطالبة بتخصيص امتيازات جبائية لها ولمدة سنتين متتاليتين.

خلاصة

لا يمكن للأزمة الصحية الحالية التي ضربت تونس والعالم بأسره أن تمر بسلام على بلدنا بدون وحدة وطنية تتكافل فيها كل الجهود الوطنية من قطاع عام وقطاع خاص ومجتمع مدني ولا بد أن تكون الدولة قدوة للجميع وذلك بالتعاون والتضامن بين الرئاسات الثلاث وكذلك بين الحكومة والبنك المركزي إذ لا مجال للشعارات الجوفاء في زمن الأزمة كشعار استقلالية البنك المركزي وغيره من الشعارات التي لا يمكن أن تنفع تونس في الوقت الحاضر. وإن كانت أزمة الكورونا لها تكاليفها الاقتصادية والمالية، فإنها توفر لتونس فرصا ثمينة يمكن استغلالها للتقليص من الانعكاسات السلبية لها. فما على الدولة إلا أن تحسن إدارة الأزمة وذلك بالبدء فورا في التفاوض مع صندوق النقد الدولي حول الأقساط المتبقية للقرض الائتماني والتشاور مع الشقيقة الجزائر لإبرام عقود آجلة معها حول شراء كميات كافية للنفط والغاز. كما أن الدولة مطالبة بالتعاون مع البنك المركزي لدفع النمو الاقتصادي بالسياسات الجبائية والنقدية الملائمة حتى تؤمّن الموارد الذاتية لها والمبرجة في موازنة الدولة لسنة 2020.

أ.د. رضا الشكندالي
أستاذ الاقتصاد بالجامعة التونسية

 

المصدر العربية : ليدرز

للنشر