الفتيات يتجهن بقوة نحو الهندسة في الدول العربية

تواجه المرأة في العديد من الدول العربية عقبات اجتماعية وثقافية غير مألوفة لدى المرأة في العالم الغربي، إلا أن هناك مجالاً تواجه فيه المرأة العربية عقبات أقل من نظيراتها في الولايات المتحدة على سبيل المثال، لا وبل تحقق معدلات أعلى منهن، ونقصد هنا مجال الهندسة. ففي الوقت الذي توقفت نسبة النساء الأميركيات اللاتي يتخرجن من البرامج الهندسية عند حدود 20% لأكثر من 10 سنوات الآن، تتدفق النساء العربيات بقوة إلى هذا الحقل العلمي.

وتفيد الأرقام، ولأسباب متنوعة بقدر تنوع البلدان العربية نفسها، بأن نسبة النساء العربيات اللاتي يسجلن ويكملن تعليمهن بفروع الهندسة تتجاوز نسبة الأميركيات، وحتى الأرقام ليست متقاربة .في الدول العربية الغنية بالنفط، تشكل الخريجات في الكويت نسبة 49% من صفوف الهندسة، فيما تشكل الإناث نسبة 32% من طلبة الهندسة في البحرين، أما في الإمارات، فإن الالتحاق بفروع الهندسة ازداد من نسبة 2.9% في عام 2012 إلى 24.9% في عام 2015. وفي السعودية، ازدادت نسبة المتخرجات في أقسام الهندسة من 1% عام 2000 إلى 10% عام 2011، وتظهر 80% من الطالبات اهتماماً بهذا الحقل الدراسي.

كذلك الأمر بالنسبة للدول العربية الأخرى، حيث تشكل النساء في صفوف الهندسة في الأردن 40%، وفي الجزائر نسبة 36%، بينما في غزة تدرس النساء علوم الحاسوب والهندسة بالمعدل نفسه أو أعلى من الرجل. أما الدروب إلى الهندسة فهي، في بعض النواحي، أكثر وضوحاً للفتاة العربية، منها للفتاة الأميركية. وقد اتخذت أكثر من 75% من الحكومات العربية خطوات نحو تطوير اقتصادات قائمة على المعرفة، مشددة على تعلم العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في المراحل الابتدائية والثانوية وما بعد الثانوية.

وكان يعني التدريس غير المختلط الشائع في الدول العربية، أن الفتيات يدرسن موضوعات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في بيئات غالباً ما تعزز إنجازاتهن ورضاهن في تلك الميادين. وغالباً ما تؤدي نتائج الاختبارات إلى قبولهن في الكليات، لا سيما في المؤسسات العامة. وعندما تكون علامات الفتاة جيدة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، فإنهن ينتقلن بشكل أكثر موثوقية نحو دراسة تلك المواد ما بعد الثانوية مما في الولايات المتحدة حيث المجالات المتاحة للدراسة أكثر تنوعاً للفتيات.

جاذبية الهندسة

بالنسبة إلى اللاتي تتمتعن بالجدارة في الهندسة، فإن كلاً من القبول الاجتماعي لمهنة الهندسة وآفاق الحصول على مستويات دخل جيدة يجعلان هذا الحقل الدراسي أكثر جاذبية لهن، مما هو الوضع في الولايات المتحدة. وتحديداً في البلدان العربية الأفقر حالاً، توفر الهندسة المزيد من الاستقرار الوظيفي والقدرة على تحقيق مداخيل أفضل من دروب أخرى متاحة للنساء، مثل التعليم أو وظائف الإدارة العامة. ومع تطور الاقتصادات الاستهلاكية بشكل أكثر اكتمالاً على جميع مستويات المشهد الاجتماعي والاقتصادي العربي، تتفوق تلك الحسابات على النظرة التقليدية للمرأة التي من شأنها أن تبقيهن في المنزل خلاف ذلك.

وفي موقع العمل، بإمكان النساء العربيات إيجاد فرص مجدية في حقلي الهندسة والتكنولوجيا. ويمكن لثقافة الأعمال الناشئة وصناعة التكنولوجيا عموماً، أن تكون أقل تمييزاً بين الجنسين، على نحو مستغرب، في الشرق الأوسط. في عمان بالأردن، تشكل النساء ثلث اجتماعات رواد الانترنت.

وفي الإمارات العربية المتحدة، اشتملت السياسات الحكومية في ترويجها للطاقة النووية والروبوتات على نداءات لجذب النساء إلى الدراسات الهندسية بشكل واضح. وقد استجابت النساء وبتن يشكلن الآن حوالي نصف الطلبة المسجلين في تلك الميادين. وفي الأردن، عندما كانت إحدى المهندسات تبحث عن مساعدة في بعض المشاريع، نشرت إعلاناً على الانترنت من سبع كلمات: «مهندسات إناث مطلوبات للعمل من المنزل»، وفي غضون أسبوع، تلقت أكثر من 700 سيرة ذاتية. وهذه الاستجابة دفعتها لتشكيل مكتب استشارات هندسية افتراضي يوظف مهندسات عربيات.

المساومة الأمثل

وبطبيعة الحال، تشير متطلبات العمل من المنزل تحديداً، إلى أحد الأسباب التي تجعل حقلي الهندسة والتكنولوجيا مناسبين لظروف النساء العربيات، ذلك أنه ما زال متوقعا منهن إدارة وضع الأسر والاهتمام بالأطفال والآباء والأزواج. وكما لاحظت إحدى رائدات الأعمال العربيات: «النساء المتعلمات جيداً في السعودية يرغبن في العمل، لكن العائلة غالباً ما تعترض على ذلك.. بالتالي إدارة عمل ناشئ على الانترنت من المنزل هي بمثابة المساومة الأمثل بالنسبة لهن».

وهناك بعض الأمور التي يبرزها نجاح النساء العربيات في الهندسة، وهي: الفتيات لديهن كل القدرات المطلوبة للنجاح في ميادين العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات، ويمكن لمسارات داعمة وجامعة وشاملة في تلك المجالات أن تساعد في زيادة أعداد الفتيات اللاتي يلتحقن بحقلي الهندسة والتكنولوجيا، كما أن الأجر والفرص الوظيفية لها أهمية في القرارات المهنية للنساء.

 لماذا الهندسة مواتية أكثر للنساء في الشرق الأوسط منها في الولايات المتحدة؟

يبدو الأمر عائداً للقيم والمكافآت المرتبطة بالهندسة. فمصطلحات مثل «غريب الأطوار» و«يذاكر كثيراً»، و«ليس على الموضة» والأهم «للصبيان فقط» لا ترتبط بتلك المهنة هناك، كما في الولايات المتحدة. وبدلا من ذلك، ينظر إلى الهندسة على أنها متاحة ومجزية مادياً ومفيدة اجتماعياً. ونتيجة لذلك، فإن النساء العربيات لا يخرجن عن الأعراف الخاصة بالجنسين أو القيم الثقافية الأوسع نطاقاً، عندما يدرسن في حقول العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات في المدارس الثانوية، ويخترن التوجه إلى دراسة الهندسة والتكنولوجيا، ويذهبن للعمل في مجال تقني. بدلا من ذلك، فإنهن يراكمن رأسمالاً مادياً واجتماعياً لنجاحهن في حقل صعب يُفهم بأنه ينعكس إيجاباً على قدراتهن، ويلبي الاحتياجات الاقتصادية للأسرة ويخدم المصالح المشتركة الأوسع نطاقاً للدولة. والأهم، توفر الهندسة فرصاً لا تقدمها مهن أخرى مماثلة تقابلها.

الانجذاب لمهنة الهندسة

ينقل تقرير منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة حول «العلوم: نحو عام 2030» عن بعض طالبات الهندسة الإماراتيات إنهن منجذبات لمهنة الهندسة لأسباب تتعلق بالاستقلالية المالية التي توفرها، والمكانة الاجتماعية المرتبطة بهذا الحقل، وللمشاركة بمشاريع مبدعة وصعبة، إلى جانب الفرص الواسعة التي توفرها تلك المهنة.

المصدر: أريك أفرسن: نهى حوّا

للنشر