الإدارة التونسية:نشأة الإدارة الجهوية و المحلية

محمد ضيفي: عرفت تونس بوادر التنظيم الإداري الحالي منذ منتصف القرن التاسع عشر من خلال دستور 26 أفريل 1861 الذي تضمن قواعد تخصّ تنظيم الإدارة والضمانات والحقوق المخولة للموظفين والواجبات المفروضة عليهم وكذلك ضمان حرية المعتقد لكل المتساكنين مهما كانت ديانتهم أو جنسياتهم وهو أول دستور في العالم العربي والإسلامي تم وضعه في عهد الصادق باشا باي بصرف النظر عن أسباب وضعه أو الأطراف التي كانت تحث على تبنيه . وقد صدرت قبل ذلك بعض التشريعات الهامة في شكل أوامر عليّة تتعلق بإحداث وتنظيم الوزارة الكبرى والتي كانت تضم وزارة ” الأمور” الخارجية (لتونس آنذاك علاقات مع بريطانيا منذ 1662 ومع امريكا منذ 1799 ومع باقي الدول المجاورة…) ووزارة المال ووزارة المحاسبات وخاصة وزارة العمالة (أي وزارة الداخلية) التي صدر في شأن نظامها الداخلي الأمر العلي المؤرخ في 27 فيـفري 1860,والذي أسند لهذه الوزارة اختصاصا عاما يتصل بكل مسألة لم تسند بصفة صريحة إلى إحدى الوزارات الثلاث المذكورة آنفا وصدر في نفس السنة النص المتعلق بإعادة تنظيم الإدارة الجهوية وذلك بتحديد مشمولات ” القايـد ” خاصة بصفته ممثلا للباي داخل تراب المملكة ويمارس وظائف سياسية وقضائية وإدارية ومالية ويتولى السهر على حفظ النظام بالجهة وتنفيذ الأوامر الصادرة عن الباي بصفته ممثلا للسلطة المركزية كما يتولى خاصة رفع الجباية واستعمال القوة لذلك عند الاقتضاء.

بعد احتلال تونس وبسط الاستعمار نفوذه على كامل البلاد أخضعت الإدارة الجهوية (ممثلة في القائد والكاهية والخليفة والشيخ ) إلى سلطة المراقب المدني وهي سلطة موازية أحدثت لمراقبة مجموعة من القيادات من طرف المستعمر، مما أفقد الجهاز الإداري التونسي نفوذه وخضع لهيمنة المراقب المدني المرتبط مباشرة بالمقيم العام وأصبحت تعيينات القياد والخلفوات وحتى الأيمة وأمناء الأسواق من مشمولات المراقب المدني باستثناء المناطق العسكرية بالجنوب وذلك وفق ازدواجية إدارية وقضائية فرضت على البلاد في نطاق معاهدة باردو وفي إطار بيئة تطغى فيها النزعة القبلية و العروشية على مفهوم المواطنة .

أما فيما يتعلق بالبلديات فقد صدر بتاريخ 30 أوت 1858 أي قبل الحماية، أول تشريع حول المؤسسة البلدية يتعلق بتنظيم بلدية تونس العاصمة و كان الجنرال حسين(1820- 1887، و أصله مملوك شركسي ) أول رئيس لها. وسبق ذلك إحداث مصلحة نظافة تونس بمقتضى الأمر العلي الصادر بتاريخ 2 جوان 1842.وبالتزامن مع ظهور البلديات وبعد احداث 15 بلدية صدر اول امر يتعلق بالحالة المدنية في 29جوان 1886 لكنه موجه لخدمة الاجانب اكثر منه للتونسيين فقد عهد مهمة ضابط الحالة المدنية لرئيس البلدية الفرنسي وفي عدمه مساعده الفرنسي وفي المناطق غير البلدية فان المراقب المدني هو ضابط الحالة المدنية علما وان تحرير الرسوم يتم بالفرنسية.ولم يصبح ترسيم الولادة او الوفاة اجباري للتونسيين الا بعد صدور الامر المؤرخ في 28 ديسمبر 1908 علي ان يكون هذا التصريح لدي “الشيخ” الذي يتقاضي مفابل ذلك :1.5 قرنك عن كل تصريح عند ايداعه.

وتواتر خلال مرحلة الحماية إحداث البلديات بالمدن التي تقيم بها جاليات أوروبية هامة وتكوين مجالس بلدية بها ذات أغلبية أجنبية ماسكة بالسلطة الحقيقية وقد حاولت السلط الفرنسية إدخال بعض « الإصلاحات » لتمكين الجالية الفرنسية من ممارسة المزيد من السيادة والمحافظة على إمتيازاتها من ذلك محاولة إنشاء مجالس بلدية ومجالس ڤيادات (ما يوازي مجلس الولاية) منتخبة ومتناصفة وإحداث محكمة إدارية مختلطة للنظر في شؤون الإدارة وشرعية قراراتها . وبالرغم من معارضة التونسيين عمد المقيم العام إلى محاولة تطبيق هذه الإصلاحات فنظم في ربيع 1953 إنتخابات لتعيين أعضاء المجالس البلدية ومجالس القيادات وإستعمل كل وسائل الإكراه والتزوير لإرغام التونسيين على المشاركة في هذه الإنتخابات فلم يفلح في ذلك بل وتم تعويضه في سبتمبر 1953 بعد ان بدات تتشكل خلايا المقاومة المسلحة.

وبصورة عامة إتسمــت فترة الحماية بصدور عدة نصوص تتعلق بتنظيم الإدارة وسبل تسييرها مستوحاة من فقه القضاء الفرنسي لكن ترمي جميعها إلى تمكين الجالية الفرنسية من بسط نفوذها على دواليب الإدارة الجهوية والمحلية إلى أن أطلّ فجر الاستقلال فاعتبرت السلطة الوطنية تونسة الجهاز الإداري من أهم مقومات السيادة فتشبثت بالمطالبة بها قبل الحصول على الاستقلال التام وتجسّم ذلك في إطار إحداث وزارة الداخلية بمقتضى الأمر العلي المؤرخ في 6 أكتوبر 1955 أي بعد الاستقلال الداخلي وفي نفس السنة

بعد الاستقلال التام وبمقتضى الأمر المؤرخ في 21 جوان 1956 تمت مراجعة شاملة لوزارة الداحلية وتم إحداث سلك : الولاة والكتاب العامين للولايات والمعتمدين بالمصالح الخارجية وتجديد مهامهم و تم تقسيم البلاد إلى 14 ولاية على رأس كل منها وال خلفا للقايد (عوض 37 قيادة) وقسمت كل ولاية إلى مندوبيات (معتمديات حاليا)وعلى رأس كل مندوبية معتمد خلفا للكاهية أو الخليفة أما عدد البلديات إبان الاستقلال فقد كان لا يتجاوز 63 بلدية .وقد جرت اول انتخابات بلدية يوم 5 ماي 1957 متزامنة مع حدث تاريخي وهو مشاركة المراة في اول انتخابات .

كما تم إحداث سلك الحرس الوطني لتعويض الجندرمة وتونسة الأمن في حين تواصل تواجد سلك الصبايحية إلى غاية الانقراض .

ومباشرة بعد إعلان الجمهورية أطلقت على الوزارة كتابة الدولة للداخلية بمقتضى الأمر عدد 1 لسنة 1957 المؤرخ في 29 جويلية 1957 المتعلق بتعيين أعضاء أول حكومة في العهد الجمهوري وتوالت إجراءات التونسة والتحديث وتم تعويض المشائخ بالعمد والمندوبيات بالمعتمديات وصدرت عديد النصوص لملاءمة الإدارة الجهوية والمحلية مع متطلبات الإستقلال والتحديث .فصدر اول قانون اساسي للبلديات في 14 مارس 1957 وقانون الحالة المدنية الحالي عدد3 سنة 1957 الخ………وهكذا تراجعت رواسب العروشية والفئوية و الممارسات الموروثة عن سلوك المستعمر.فأندثر شيئا فشيئا المعيار العشائري من جراء التقسيم الاداري الجديد الذي تجاوز حدود القبائل المعمول بها زمن المراقب المدني وبرز معيار المواطنة وأصبح التقسيم الإداري مرجعا للمواطن وليس العرش أو القبيلة التي كان ينتمي إليها و يحتمي بها عند الاقتضاء ظالما او مظلوما كما كان الحال سابقا.

للنشر